خليل الصفدي

8

أعيان العصر وأعوان النصر

النظم والنثر ، وهو فيهما كثير التردي في الردي والعثر . وكان يقرئ في المقامات والعروض ، ويحسن ما يدعيه بالتقادير والفروض ، ونظمه أقرب إلى الجودة ، ونثره يقال فيه كما قيل : قد عرفناك يا سودة ، ويكتب خطا نقشا ، ويجيد منه سطرا رقشا ، وعلى كل حال فكان من أشياخ الأدب ، وجراثمه التي تقصد بالطلب . وكان كثير الحط على القاضي الفاضل ، وهذا دليلي على أنه لم يكن ممن يناظر أو يناضل ، وكفته هذه الحطة ، وحبسه بها سيئة أكفأته في هذه الورطة . وكان يرجح كلام ابن الأثير ، وهذا كلام من هو بين أهل الكلام عثير ، وبينهما عند أرباب هذا الفن من الفرق ، ما بين القدم والفرق ، وبينهما من البعد والبون ما بين الفساد والكون ، أو الأبيض اليقق والأسود الجون ، علم ذلك من علمه أو جهله من جهله . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في أواخر سنة ثلاث وأربعين ، أو أوائل سنة أربع وأربعين وسبع مائة . ومولده بمكة الثاني عشر من شهر رجب سنة ثمانين وستمائة . وكان قد ورد في أيام الأفرم إلى دمشق ، وعمل رسالة سمّاها : قلائد الحور في المفاخرة بين المنظوم والمنثور ، وحكم فيها القاضي محيي الدين بن فضل اللّه ، فتوسّط له عند الأفرم ، فرتّب له على الجامع الأموي بدمشق في الشهر مائة درهم ، وقرأ عليه الطلبة في المقامات والعروض ، ثم إنه توجّه إلى اليمن ، وكتب الدرج باليمن ، وربما وزر ، ثم إنه لما توفي المؤيد صاحب اليمن صادره ولده المجاهد ، وأخذ منه ما حصّله ، فورد إلى مصر سنة ثلاثين ، وقدم إلى دمشق ، ورأيته بها في سنة إحدى وثلاثين ، ثم عاد إلى مصر ، وبها اجتمعت به سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، وفوّض إليه تدريس المشهد النفيسي ، وشهادة البيمارستان المنصوري . ثم إنه ورد إلى دمشق ، ورتب مصدرا بالحرم في القدس فأقام به مدة ، وتردد إلى دمشق وحلب وطرابلس ، وعمل له راتب بطرابلس ، ثم توجه إلى القاهرة ، وأباع وظائفه ، وبها توفي - رحمه اللّه تعالى - . وكانت له قدرة على النظم والنثر ، إلا أنه لم يكن له فيهما غوص على المعاني . وكان ظنينا بنفسه ، يدّعي أنه يملي على أربع كتّاب ، أو قال : خمسة في مقاصد مختلفة نظما ونثرا ، ويظن مع ذلك أن كلامه خير من كلام القاضي الفاضل ، وعارض الرسائل المختارة للفاضل مثل الرسالة الذهبية ، وفتح القدس وغيرهما ، فكان كمن عارض الزواهر بالذبالة ، والجواهر بالزبالة ، وكان كلامه متوسطا ، وعمل تاريخا لليمن وتاريخا للنحاة ، وليسا بشيء ، وذيل على تاريخ ابن خلكان بذيل قصير جدا رأيته ، لم يبلغ به ثلاثين رجلا . وكان يعظّم نفسه ويطريها ، بل يطغيها ، ولكن لكلامه وقع في النفوس ، وديباجة إذا